بقلم حسن النجار: رؤية مصرية لعدالة تنموية عالمية شاملة
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار المختص في الشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم – شؤون سياسىة – 14 مايو 2026
بقلم | حسن النجار
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية بشكل غير مسبوق، جاءت كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في القمة المنعقدة في كينيا لتعيد طرح سؤال العدالة الاقتصادية الدولية من جديد، ولكن هذه المرة من زاوية أكثر وضوحاً وصرامة: كيف يمكن إعادة صياغة النظام المالي العالمي ليصبح أكثر إنصافاً للدول النامية، خصوصاً في القارة الإفريقية؟
القمة التي استضافتها كينيا شهدت زخماً سياسياً لافتاً منذ لحظاتها الأولى، مع لقاءات ثنائية جمعت الرئيس المصري بكل من الرئيس الكيني ويليام روتو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مشهد يعكس تداخل المصالح بين إفريقيا وأوروبا، ويؤكد في الوقت ذاته أن مستقبل التنمية في القارة لن يُدار من طرف واحد.
مصر وصوت الجنوب العالمي
في كلمته أمام القمة، قدّم الرئيس السيسي قراءة دقيقة لتداعيات الأزمات العالمية المتشابكة على اقتصادات دول الجنوب، مشيراً إلى أن الدول الإفريقية تتحمل العبء الأكبر من أزمات لم تكن طرفاً في صناعتها. وهنا برزت الرسالة المصرية واضحة: ضرورة إعادة التوازن إلى النظام الاقتصادي العالمي بما يضمن عدالة توزيع الفرص والأعباء.
وقد وجّه الرئيس الشكر للحكومة الكينية على الاستضافة، مثمناً جهود الرئيس روتو والرئيس ماكرون في إطلاق هذه المبادرة التي تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الحوار بين الشمال والجنوب.
“لا تنمية بدون سلام”
العبارة التي اختزلت رؤية مصر في القمة جاءت حاسمة: «لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية». وهي ليست مجرد شعار سياسي، بل إطار فلسفي يربط بين الاستقرار الأمني والازدهار الاقتصادي، باعتبار أن أحدهما لا يستقيم دون الآخر.
ففي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، خصوصاً في الشرق الأوسط، تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لضغوط كبيرة، ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن، ويضاعف من الأعباء الواقعة على الاقتصادات النامية.
إفريقيا بين الطموح والقيود
أبرز ما كشفه الخطاب هو المعضلة الهيكلية التي تواجهها الدول الإفريقية: فهي مطالبة في الوقت نفسه بتحقيق التنمية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، والالتزام بالتحول الأخضر، مع استمرار الضغوط المتعلقة بخفض الديون والانضباط المالي.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح النظام المالي الدولي الحالي – وفق الرؤية المصرية – غير قادر على الاستجابة العادلة لهذه التحديات، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة الاقتراض واشتراطات التمويل الصارمة.
دعوة لإصلاح النظام المالي العالمي
دعا الرئيس السيسي بوضوح إلى إصلاح جذري للمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يعكس التحولات في موازين القوى الاقتصادية العالمية، ويمنح الدول النامية تمثيلاً أكثر عدلاً في صنع القرار.
كما طرح مقترحات عملية، من بينها:
- تفعيل آليات مبادلة الديون بالاستثمارات التنموية
- خفض علاوات المخاطر غير المبررة على الاقتصادات الإفريقية
- تطوير أدوات تمويل مبتكرة تدعم التنمية المستدامة بدلًا من إدامة أعباء الديون
خلاصة: عدالة تنموية وليست مساعدات
تعكس الرؤية المصرية التي طرحها الرئيس السيسي تحولاً في فلسفة التعامل مع قضايا التنمية، من منطق “المساعدات” إلى منطق “العدالة الاقتصادية العالمية”. فهي لا تطالب بدعم مؤقت، بل بإعادة هيكلة النظام الدولي نفسه ليصبح أكثر توازناً واستدامة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي هو الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ، وتحويل هذه الرؤية إلى سياسات ملموسة قادرة على تغيير واقع التنمية في القارة الإفريقية.







